عزيزي القارئ..هل تعرف صلاحية آخر وجبة تناولتها؟ وما هي جودة قطعة اللحمة أو الفراخ التي كانت في طبقك؟ أو جودة الزيت المستخدم في قلي وجبتك؟
لا تقلق.. لست وحدك.. فمعظمنا يأكل اليوم وهو لا يعرف هل يحتاج إلى شوكة وسكينة أم إلى معمل تحاليل.
ففي أيام أصبحت فيها العروض “تفتح النفس”، واللافتات “تغري المعدة”، جاء الاعتراف من حيث لا نتوقع..نقيب البيطريين نفسه قرر أن يريح ضميره – وربما معدته – وقالها صريحة بلا بهارات: “اللانشون والسجق والبسطرمة مش يدخلهم بيتي بسبب عدم توافر الاشتراطات”!.
تصريح لو كان طعامًا لاحتاج إلى تحذير صحي واضح: غير مناسب للاستهلاك الإعلامي الهادئ.
فإذا كان المسؤول الأول عن صحة اللحوم لا يثق في هذه المنتجات، فالمواطن العادي يثق في إيه؟ في اللافتة المضيئة؟ ولا في كلمة “طازة” المكتوبة بخط عريض؟
ولأن الاعتراف وحده لا يكفي، جاءت الوقائع لتضيف “الطعم الحقيقي” للقصة.. ففي أبو النمرس، تم ضبط كميات ضخمة من منتجات لحوم مصنعة من مواد غير صالحة للاستهلاك الآدمي.. لحوم يبدو أنها كانت مهيأة لكل شيء… إلا أن تؤكل.
وفي الجيزة، أُغلق محل دواجن كان يقدم عروضًا مغرية لدرجة أن المواطن كان يشك: “هي الفرخة بقت رخيصة كده ليه؟”..الجواب جاء سريعًا: لأنها – ببساطة – لم تعد فرخة تصلح للحياة.
أما في الغربية، فالإبداع بلغ ذروته..مصنع يعيد تدوير زيوت طعام هالكة.
زيت تعب من القلي، فقرروا منحه فرصة ثانية ..وثالثة.. وربما عاشرة.
زيت صاحب خبرة طويلة في المقلاة، لكنه للأسف لا يحمل شهادة حسن سيرة وسلوك صحي.
ولو لم تكن هذه الوقائع كافية لإفساد شهيتك عزيزي القارئ .. فـجروب الشكاوى على فيسبوك جاهز لاستكمال المهمة.
هناك ستجد مواطنين تحولوا قسرًا إلى نقاد طعام، يصفون وجبات “بلا طعم”، أو “بلون مش مطمئن”، أو “برائحة بتفكر الواحد بماضي الزيت”.
اللافت أن كثيرًا من الشكاوى تطال مطاعم كبرى، وخاصة بعض المطاعم السورية، التي دخلت السوق باسمها الكبير وطعمها الشهير، لكنها – حسب شكاوى الزبائن – خرجت أحيانًا عن النص، وربما عن الجودة أيضًا.
وطبعًا، ليس الجميع سواء، لكن حين تتكرر الشكوى، يصبح السؤال مشروعًا: هل المشكلة في الطباخ؟ أم في المكونات؟ أم في الضمير الذي نسي طريقه للمطبخ؟
وسط هذا السيرك الغذائي، يقف المواطن المسكين حائرًا.
يمسك كيس الوجبة في يد، ودواء الحموضة في اليد الأخرى، ويتساءل:
هل أصدق السعر العالي؟ أم العرض المغري؟ أم اللايكات على السوشيال ميديا؟
سؤال وجودي: أين الضمير؟
الضمير يا سادة أصبح مثل الزيت الجيد – نادرًا ما تجده أصليًا! وهو يتواجد حاليًا في إجازة غير محدودة، بينما ضمائر بعض التجار في إجازة دائمة!
ويبدو أن المواطن مطالب الآن بأن يكون خبير تغذية، وصيدلي، وطبيبًا، وبيطريًا، ومحققًا صحفيًا، وخبيرًا في سلامة الغذاء.. كل هذا قبل أن يكون مجرد إنسان جائع يريد سندوتش أو وجبة دون أن يتحول إلى رقم في إحصائيات التسمم!

